مجمع البحوث الاسلامية

677

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تتحدّث عن ضرورة الانسجام مع خطّ الإيمان بإطاعة اللّه ورسوله ، وعدم الانحراف عن هذا المنهج الإيمانيّ الّذي قد يؤدّي إلى بطلان الأعمال ، من خلال انهيار القاعدة الأساسيّة للأعمال ، واللّه العالم . أمّا الحديث عن الحسد في أكله للحسنات ، فقد يكون ناشئا من الرّوحيّة الّتي تمثّل في الحاسد الّذي قد ينطلق إلى القيام بكثير من الأعمال الباغية الّتي قد تطغى على حياة الإنسان ؛ بحيث لا تكون هناك أيّة قيمة لما قام به من الأعمال الصّالحة ، أمام ما يقع فيه من الأعمال السّيّئة ، حتّى كأنّها لا شيء ، وذلك بأسلوب الكناية أو المبالغة . وهكذا لا نجد في مثل هذه الشّواهد دليلا على ما ذكره من إبطال بعض السّيّئات للحسنات ، وربّما كان السّبب في بعض هذه التّفاسير التّعامل مع النّصّ بحرفيّته ، لا بإيحاءاته وأساليبه البلاغيّة ، القائمة على الكناية تارة ، وعلى المبالغة أخرى ، واللّه العالم . لا شكّ أنّ المسلمين متّفقون على أنّ الرّدّة تحبط العمل وتفسده ، ولكن هل يحدث ذلك بمجرّد الرّدّة ، فلا قيمة للعمل حتّى لو آمن بعد ذلك ، أو أنّه مشروط بالموت كافرا ؟ ذهب الشّافعيّ إلى أنّ إحباط الرّدّة للعمل مشروط بالموت كافرا ، وذلك من خلال الآية الكريمة في قوله تعالى : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا إحباط للعمل إذا تبدّل الكفر قبل الموت بحيث مات مؤمنا . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى الرّأي الأوّل ، فتكون الرّدّة محبطة للعمل ولو رجع صاحبها إلى الإسلام ، وذلك من خلال قوله تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ الزّمر : 65 ، وقوله تعالى : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الأنعام : 88 ، وقوله تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ المائدة : 5 ، فقد علّق فيها الحبوط بمجرّد الشّرك . وإذا كان الخطاب الأوّل للنّبيّ ، فإنّ المقصود به أمّته لاستحالة ذلك عليه . وناقشوا الاستدلال بالآية بأنّها واردة في بيان حكمين : الحبوط والدّخول في النّار ، فلا تكون دليلا على شرطيّة ذلك للحبوط في ذاته ، وقد ردّ الشّافعيّ على الاستدلال بآية الشّرك بأنّها واردة في باب التّغليظ على النّبيّ كما غلظ على نسائه في قوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً الأحزاب : 30 . وتظهر ثمرة الخلاف في من حجّ ثمّ ارتدّ ثمّ أسلم . فقال مالك وأبو حنيفة : عليه الحجّ لأنّ ردّته أحبطت حجّه . وقال الشّافعيّ : لا حجّ ، لأن حجّه قد سبق . والرّدّة ليست محبطة إلّا إذا مات على كفره . ونحن نلاحظ أنّ الآيات الّتي تحدّثت عن الشّرك كانت تتحدّث عن المبدأ كعنوان للإحباط ، بقطع النّظر